البغدادي
20
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقال ابن الحاجب في « أماليه » : إنه يجوز أن يكون مه في « مهما لي الليلة » ، اسم فعل بمعنى اسكت ، واكفف عما أنت فيه من اللوم ، كأنه يخاطب لائما على ما يراه من الوله . ثم قال : ما لي الليلة ، تعظيما للحال التي أصابته ، والشدّة التي أدركته . ثم ذكر الأمر الذي يحقّق تعظيم الأمر ، فقال : ( السريع ) * أودى بنعليّ وسرباليه * يعني ذهب بنعليّ وسرباليه ، كقوله تعالى « 1 » : « هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ » . وإذا ذهب عنه نعله وسرباله دلّ على أنّ حاله بلغت مبلغا أذهلته عما لا يذهل متيقّظ عن مثله . وصورة الاستفهام للتعظيم ثم مجيء ما يحقّق ذلك التعظيم بجملة أخرى بعد ذلك ، من فصيح كلام العرب وبديعه . قال تعالى « 2 » : « الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ » ثم قال « 3 » : « كَذَّبَتْ ثَمُودُ » . ويجوز أن يكون مهما أصله ماما ، كرّرت ما الاستفهامية للتأكيد اللفظي ، فقلبت الألف الأولى هاء كما قلبت ألف الشرطية في قولهم : مهما . وهي عند الأكثرين : ماما . وليس ذلك بقياس ، وإنما هو حمل لفظ العربيّ على ما يحتمله ، ممّا هو من جنس كلامهم ، وليس من القياس المختلف فيه في شيء . ويجوز أن تكون ما الأولى قدّر الوقف عليها ، فقلبت ألفها هاء ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف . والوجه الأول أوجه وأوضح . انتهى . واختار ابن هشام التوجيه الأول في « المغني » في ردّ ما قاله الشارح المحقق . قال : ذكر جماعة منهم ابن مالك أنّ مهما تأتي للاستفهام ، واستدلّوا بهذا البيت ، ولا دليل فيه ؛ لاحتمال أنّ التقدير : مه اسم فعل بمعنى : اكفف ، ثم استأنف استفهاما بما وحدها . هذا كلامه .
--> ( 1 ) سورة الحاقة : 69 / 29 . ( 2 ) سورة الحاقة : 69 / 1 - 2 . ( 3 ) سورة الحاقة : 69 / 4 .